الزكاة: تعريفها وفضلها وتاريخها وأصلها وأحكامها الأساسية
نُشر
الزكاة هي الركن الثالث من أركان الإسلام، وقرينة الصلاة في كتاب الله تعالى في مواضع كثيرة. وهي عبادة مالية تجمع بين طهارة النفس ونماء المال وتكافل المجتمع. في هذا الدليل نعرض معنى الزكاة وحكمها وفضلها وتاريخها وأصلها، ثم شروطها ونصابها وأنواع الأموال التي تجب فيها ومصارفها، وخطوات عملية لإخراجها.
ما هي الزكاة؟ المعنى اللغوي والاصطلاحي
الزكاة في اللغة تأتي بمعنى النماء والزيادة، وبمعنى الطهارة والصلاح. وفي اصطلاح الفقهاء هي حقٌّ واجب في مال مخصوص، يُدفع لأصناف مخصوصة، إذا بلغ المال نصاباً معيناً وحال عليه الحول (أي مرّت عليه سنة هجرية) في الأموال التي يُشترط فيها ذلك.
وسُمّيت زكاةً لأنها تُطهّر نفس المزكّي من الشحّ والبخل، وتُطهّر ماله، وتُنمّيه بالبركة، كما قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة: 103].
حكم الزكاة ومنزلتها في الإسلام
الزكاة فريضة ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين. قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: 43]. وقال النبي ﷺ: «بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان» (متفق عليه).
وقد أجمعت الأمة على فرضيتها؛ فمن أنكر وجوبها جاحداً لها بعد علمه بها فقد أنكر معلوماً من الدين بالضرورة، ومن منعها بخلاً مع إقراره بوجوبها فهو آثم وتُؤخذ منه.
فضل الزكاة وثمراتها
- طهارة النفس والمال: تُنقّي القلب من الشحّ وتُطهّر المال من الشبهات، كما في آية سورة التوبة المتقدمة.
- البركة والنماء: قال النبي ﷺ: «ما نقص مالٌ من صدقة» (رواه مسلم). فالإنفاق في سبيل الله لا يُنقص المال حقيقة بل يُبارك فيه.
- من صفات المؤمنين المفلحين: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: 4].
- التكافل الاجتماعي ومحاربة الفقر: بيّن النبي ﷺ لمعاذ بن جبل رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن أن الله افترض على الأغنياء صدقة «تُؤخذ من أغنيائهم فتُردّ على فقرائهم» (متفق عليه). فالزكاة نظام يُعيد توزيع جزء من الثروة داخل المجتمع بكرامة، دون مَنٍّ ولا إذلال.
- تقليل الحقد والحسد: إذ يشعر الفقير أن له حقاً معلوماً في مال أخيه، ويشعر الغني بمسؤوليته تجاه مجتمعه.
- الوعيد الشديد لمن منعها: كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: 34].
تاريخ الزكاة وأصلها
الزكاة في رسالات الأنبياء
ذكر القرآن الكريم أن الزكاة كانت من وصايا الرسل السابقين. فقد أُمر بها بنو إسرائيل: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 83]، ووُصف إسماعيل عليه السلام بأنه ﴿كَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ [مريم: 55]، وقال عيسى عليه السلام: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: 31].
في العهد المكي
ورد الأمر بالإنفاق والبذل في السور المكية بوصفه خُلقاً من أخلاق المؤمنين وحقاً للمحتاج، من غير تحديد للنصاب ولا لمقدار الواجب. ومن ذلك قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141].
في المدينة المنورة: التفصيل والتنظيم
بعد الهجرة تحوّلت الزكاة إلى فريضة محددة المقادير والأنصبة والمصارف، وجاء بيان مصارفها في سورة التوبة. والراجح عند كثير من أهل العلم أن هذا التفصيل كان في السنة الثانية للهجرة، وهي السنة التي فُرض فيها صيام رمضان وشُرعت فيها زكاة الفطر. وكان النبي ﷺ يبعث العمّال (السعاة) لجمع الزكاة من الأغنياء وتوزيعها على مستحقيها.
في عهد الخلفاء الراشدين
لما منعت بعض القبائل الزكاة بعد وفاة النبي ﷺ قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: «والله لأقاتلنّ من فرّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حقّ المال» (رواه البخاري ومسلم). وبذلك تقرر أن الزكاة ليست تبرعاً اختيارياً بل حقٌّ لازم. ونُظّمت بعد ذلك موارد الزكاة في بيت المال، وتولّت الدولة جمعها وتوزيعها.
في العصر الحديث
تعتمد دول إسلامية عدة صناديق رسمية للزكاة تجمعها وتوزعها على المستحقين وفق ضوابط شرعية وإدارية، ومنها صندوق الزكاة في الجزائر الذي تشرف عليه وزارة الشؤون الدينية والأوقاف. ويجوز للمسلم كذلك أن يتولى إخراج زكاته بنفسه إلى مستحقيها إن اطمأن إلى ذلك.
شروط وجوب الزكاة
- الإسلام.
- ملك النصاب ملكاً تاماً: أي أن المال مملوك لك ملكاً مستقراً وتتصرف فيه.
- بلوغ النصاب: وهو الحدّ الأدنى للمال الذي تجب فيه الزكاة (يأتي تفصيله).
- حولان الحول: أن تمرّ على المال سنة هجرية كاملة وهو بالغ النصاب، ويُستثنى من ذلك الزروع والثمار والمعادن والركاز فتجب عند الحصاد أو الاستخراج.
- الفضل عن الحاجات الأصلية: وللعلماء تفصيل في أثر الديون على وجوب الزكاة (انظر الأسئلة الشائعة).
وجمهور أهل العلم على وجوب الزكاة في مال الصغير والمجنون إذا بلغ النصاب، ويُخرجها وليّهما.
نصاب الزكاة ومقدارها
النصاب هو الحدّ الأدنى من المال الذي إذا بلغه وحال عليه الحول وجبت فيه الزكاة.
- نصاب الذهب: 20 مثقالاً، ويُقدَّر بنحو 85 غراماً من الذهب الخالص (عيار 24).
- نصاب الفضة: 200 درهم، ويُقدَّر بنحو 595 غراماً من الفضة. وفي الحديث: «ليس فيما دون خمس أواقٍ صدقة» (متفق عليه)، والأوقية أربعون درهماً.
- النقود والأوراق المالية: تُقاس قيمتها بالذهب أو الفضة. ويفتي كثير من العلماء المعاصرين باعتماد نصاب الذهب للنقود الورقية، ويرى آخرون الأخذ بنصاب الفضة احتياطاً لمصلحة الفقراء. والأولى مراجعة جهة الفتوى في بلدك.
- مقدار الزكاة في النقود والذهب والفضة وعروض التجارة: ربع العشر، أي 2.5% (جزء من أربعين).
أنواع الأموال التي تجب فيها الزكاة
- الذهب والفضة والنقود والمدخرات: 2.5% إذا بلغت النصاب وحال عليها الحول.
- عروض التجارة: وهي البضائع المعدّة للبيع بقصد الربح. تُقوَّم عند حولان الحول وتُخرج منها 2.5% من قيمتها السوقية مع ما في يد التاجر من نقد.
- الأنعام السائمة (الإبل والبقر والغنم): لها أنصبة ومقادير خاصة، وأدنى نصابها خمس من الإبل، وثلاثون من البقر، وأربعون من الغنم، بشروط السوم والحول.
- الزروع والثمار: نصابها خمسة أوسق، ويقدّره كثير من المعاصرين بنحو 650 كيلوغراماً تقريباً على اختلاف في التقدير. ومقدارها العُشر (10%) إذا سُقيت بغير كلفة كماء المطر، ونصف العشر (5%) إذا سُقيت بكلفة كالآلات.
- الركاز والمعادن: وفي الركاز (الكنز المدفون من أموال الجاهلية) الخُمس (20%) لحديث «وفي الركاز الخمس» (متفق عليه).
أما المسائل المعاصرة كزكاة الأسهم والاستثمارات والعقارات المؤجَّرة وتعويضات نهاية الخدمة فتتفاوت فيها آراء الفقهاء، ويُرجع فيها إلى أهل الفتوى، وسنفصّل طريقة الحساب العملية في مقال كيفية حساب زكاة المال.
مصارف الزكاة الثمانية
حدّد الله تعالى مصارف الزكاة في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 60]. وهي:
- الفقراء: من لا يملكون ما يكفيهم من حاجاتهم الأساسية.
- المساكين: من يملكون بعض الكفاية لكنها لا تكفيهم.
- العاملون عليها: الموظفون الذين يجمعون الزكاة ويوزعونها ويحفظونها.
- المؤلفة قلوبهم: من يُراد تأليف قلوبهم على الإسلام أو تثبيتهم فيه، على خلاف بين العلماء في بقاء هذا المصرف.
- في الرقاب: تحرير الأرقاء وفكّ الأسرى، وألحق به بعض العلماء المعاصرين فكّ كربة من حُبس في دَين لا يقدر على سداده.
- الغارمون: من أثقلتهم الديون لحاجة مشروعة وعجزوا عن السداد.
- في سبيل الله: ويشمل الجهاد في سبيل الله بمعناه الشرعي، وفُسّر عند بعض المعاصرين بما يشمل المصالح العامة للدعوة والعلم بضوابطها.
- ابن السبيل: المسافر المنقطع عن ماله، ولو كان غنياً في بلده.
ولا يجوز دفع الزكاة لمن تلزمك نفقتهم كالوالدين والأولاد، وكذلك الزوجة عند أكثر أهل العلم. ويجوز دفعها إلى الأقارب المحتاجين غير هؤلاء، ولهم فيها أجر الصدقة وصلة الرحم.
متى وكيف تُخرج زكاتك؟ خطوات عملية
- حدّد تاريخ بدء الحول: هو اليوم الذي بلغ فيه مالك النصاب. ويختار كثير من الناس تاريخاً ثابتاً كل عام (كأول رمضان) ويُخرجون فيه زكاة ما يملكون وقتها، وهذا جائز ما دام لا يؤخّرون الزكاة عن موعدها.
- اجمع الأموال الزكوية: النقود في الحساب والمنزل، والذهب والفضة المدّخرين، وقيمة عروض التجارة، والديون المرجوّ سدادها.
- انظر في الديون: تُخصم الديون الحالّة على المزكي وفق ما تفتي به الجهة التي ترجع إليها.
- قارن بالنصاب: فإن بلغ مجموع المال النصاب (وبقي بالغاً له طوال الحول) وجبت الزكاة.
- احسب: اضرب المبلغ في 0.025.
- انوِ وأخرج: تكفي النية في القلب، وتُخرجها للمستحقين أو للصندوق الرسمي الموثوق.
مثال تطبيقي: من يملك بعد حولان الحول مدّخرات قدرها 1,000,000 دج، وكانت تبلغ النصاب في وقته، فزكاته = 1,000,000 × 0.025 = 25,000 دج.
يمكنك التحقق بسرعة من حسابك باستعمال حاسبة الزكاة المجانية على موقعنا.
أسئلة شائعة عن الزكاة
هل تجب الزكاة في الحليّ المستعملة للزينة؟ اختلف العلماء. فجمهورهم (المالكية والشافعية والحنابلة) على أنه لا زكاة في الحليّ المباح المستعمل، وذهب الحنفية إلى وجوبها فيها. والاحتياط عند كثير من المعاصرين إخراجها إن بلغت النصاب.
هل يجوز تعجيل الزكاة قبل الحول؟ يجوز عند جمهور العلماء تعجيلها قبل حولان الحول بعد ملك النصاب.
هل الزكاة عن المال المدّخر فقط؟ لا. تجب الزكاة في كل مال استوفى شروطها، سواء كان مدّخراً أم تجارياً أم زراعياً أم حيوانياً.
ما الفرق بين الزكاة والصدقة؟ الزكاة فرض له نصاب ومقدار ومصارف محددة، والصدقة تطوّع بلا حدّ معين، ويُستحب الإكثار منها.
وما زكاة الفطر؟ هي صدقة تجب في ختام رمضان على كل مسلم، وليست زكاة المال. فصّلنا أحكامها في مقال فضل رمضان وأحكام الصيام وزكاة الفطر.
خاتمة
الزكاة عبادة تجمع بين الإيمان والعمل، وبين حقّ الله وحقّ الإنسان. وهي من أعظم ما يُصلح المجتمع ويُقلّل الفقر ويُطهّر النفوس. فاحرص على أدائها في وقتها لمستحقيها، وراجع أهل العلم في الحالات الخاصة.
تنبيه: هذا المقال للتثقيف العام وليس فتوى شخصية. إن كانت لديك حالة خاصة (شركة أو أسهم أو عقارات أو ديون مركّبة) فاسأل عالماً أو الجهة الدينية الرسمية في بلدك.